من فرنسا: الدكتور عبداللطيف القرشي
يلاحظ المتتبع لوسائل الاعلام الفرنسية أن الانتخابات التشريعية المغربية التي جرت يوم 23 شتنبر، لم تحظ منها بالاهتمام المتوقع، خاصة إذا قارناها مع ما حظيت به انتخابات 2021 من مواكبة. ولعل هذا الاهتمام المحدود يجد تفسيره أساسا في أنه قبل خمس سنوات كانت الرهانات كثيرة: فمن جهة كان المراقبون ما يزالون يتابعون حجم وعمق التغييرات التي قد يكون أحدثها الدستور السادس للمملكة ( دستور الربيع العربي) على طبيعة السلطة التنفيذية في البلاد. ومن جهة ثانية كانت مؤشرات عديدة تفيد بأن ” عشرية الإسلاميين ” التي أشرف عليها حزب العدالة والتنمية، بصيغتيه البنكيرانية والعثمانية، قد شارفت على خريفها. وقد كانت صحيفة لوموند قد نشرت عشية الاقتراع (7 شتنبر 2021) مقالا تحليليا مطولا عنونته “الحزب الإسلامي الذي يقود الحكومة منذ 2011 يلعب مستقبله في صناديق الاقتراع” .

ومن جهة ثالثة كان حزب الأحرار الإداري ، الذي استفاد من مشاركته في حكومة التناوب اليوسفية لترقيع بكارته السياسية وأصبح يقدم نفسه كحزب حداثي بإيديولوجية ليبرالية اجتماعية، يستعد للعودة بقوة إلى واجهة المشهد السياسي المغربي بقيادة رجل أعمال دخل السياسة تكنوقراطيا وأُكْسِيَ أزرقا حماميا ليقود الحكومة برداء الدستور الجديد. فعادت لوموند في اليوم الموالي للاقتراع لتنشر مقالا بعنوان “انتصار في صناديق الاقتراع للأحزاب القريبة من الملك على حساب الإسلاميين”
إن هذه العناصر الثلاث كانت قد أعطت لاقتراع 2021 كل عناصر السيناريو التي تُكسب الحكاية طابع التشويق والانتظار الذي افتقدته انتخابات 2026 رغم إخراج السي عبدالإله من حي الليمون ليطوف ربوع البلاد طولا وعرضا بخرجاته السياسية التي كانت تدخل في خصومه عرضا وطولا. وإخراج رجل الكرة من جامعته لإيهام الجميع أن حكومة المونديال لا يمكن أن يقودها سوى من خبِر المونديال مرتين.
غير أن ضعف الاهتمام لا يعني أن الصحافة الفرنسية تجاهلت الاستحقاق الأخيرتماما. بل على العكس من ذلك فقد خصصت له بعض المنابر الفرنسية المهمة تغطيات قبل الاقتراع وبعده. غير أن السؤال لم يكن هو كيف ستنتهي خُمسية الليبراليين؟ بل كيف ستعاد صياغة الأغلبية القائمة؟ ومن سيقود الجوقة القادمة؟ ثم عاد الاهتمام بقوة إلى هذا الاستحقاق بعد تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة كحدث غير مسبوق في تاريخ الحكومات المغربية، وناذر جدا في تاريخ الحكومات العربية. كما أن الصحف الفرنسية لم تقرأ الانتخابات بالطريقة نفسها. فبعضها ركز على المشاركة والعلاقة بين الشباب والسياسة، وبعضها الآخر اهتم بإعادة ترتيب الخريطة الحزبية. وإذا كان هناك خيط مشترك بين معظم هذه التغطيات، فهو أن الاهتمام لم ينصب فقط على الحزب الذي تصدر الانتخابات، وإنما أيضاً على ما كشفه الاقتراع عن علاقة المغاربة بالأحزاب والمؤسسات، وعلى طبيعة الحكومة التي ستأتي بعد حكومة المال والأعمال التي قادها عزيز أخنوش.
قبل النتائج: انتخابات يطغى عليها العزوف
كانت “لوموند“ من أكثر الصحف الفرنسية حضوراً في تغطية الانتخابات. في تقرير ميداني نشرته في 21 شتنبر، قبل يومين من الاقتراع، ركزت الصحيفة على ما وصفته بحملة انتخابية تفتقر إلى الحيوية، وعلى حضور قضية غلاء المعيشة في اهتمامات الناخبين. وذهبت إلى رصد بعض مظاهر التعبئة الانتخابية، مشيرة إلى وجود أشخاص يشاركون في التجمعات مقابل مبالغ مالية، في حين بدا الاهتمام السياسي الفعلي محدوداً في بعض المناطق التي زارتها.
والمثير للانتباه حقا هو أن مبعوثة الموقع الإعلامي القوي والواسع الانتشار ميديابارت، اختارت لمواكبة اقتراع 23 شتنبر، بدل حضور المهرجانات الخطابية الحزبية، الانتقال إلى مهرجان البولفار الذي ربما يمثل في تقديرها تيرمومترا أكثر مصداقية لقياس درجة اهتمام الشباب المغربي وجيل زيد تحديدا بالشأن الانتخابي. وأبرز التقرير الوحيد الذي خصصه هذا المنبر الإعلامي للحدث، والذي نشر على موقعه بتاريخ 21 شتنبر، أن من بين 16 شاباً وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاماً قابلتهم الصحافية خلال ثلاثة أيام، قال عشرة إنهم لا ينوون التصويت. وتكشف الشهادات التي نقلها التقرير عن مسافة واضحة بين هؤلاء الشباب والعرض السياسي القائم، وعن فقدان الثقة في الأحزاب والمرشحين، بما يضيء أحد التفسيرات الممكنة لاحتمال العزوف الذي ستسجله الانتخابات بعد يومين.
وفي يوم الاقتراع نفسه، عادت لوموند إلى المسألة ذاتها من زاوية أخرى: هل سيذهب المغاربة إلى صناديق الاقتراع؟ في تقرير من مدينة سلا، وصفت «لوموند» المشاركة بأنها الرهان الأساسي لانتخابات 23 شتنبر، ونقلت آراء من رأوا أن تنظيم الاقتراع يوم الأربعاء قد يؤثر في مشاركة بعض الناخبين، خصوصاً في المدن. وهذه الزاوية ستصبح أكثر أهمية بعد ظهور النتائج، عندما تبين أن نسبة المشاركة لم تتجاوز 38 في المائة.
صباح 24 شتنبر، لا جديد تحت شمس المغرب الحارقة
بعد إعلان النتائج في 24 شتنبر، انتقلت «لوموند» إلى قراءة أكثر تركيباً. ففي تحليل بعنوان “ دروس الانتخابات التشريعية في المغرب: إعادة تشكيل داخل الائتلاف الحكومي، عودة الإسلاميين والعزوف الجماعي“، اعتبرت الصحيفة الفرنسية الأكثر انتشار أن الانتخابات لم تحدث تغييراً شاملاً في النظام الحزبي، لأن الأحزاب التي كانت تشكل الحكومة السابقة بقيت في المراتب الأولى، وإن تغيَّر ترتيبها وموازين القوى بينها، بعد أن تقدم حزب الأصالة والمعاصرة (97 مقعداً) على حليفيه: التجمع الوطني للأحرار( 66 مقعدا) وحزب الاستقلال ( 65 مقعدا).
العنصر الآخر الذي استوقف الصحافة الفرنسية هو عودة حزب العدالة والتنمية. فالانتقال من 13 مقعداً في 2021 إلى 54 مقعداً في 2026 كان كافياً لجعل الحزب أحد أبرز أخبار الانتخابات. لكن هذه العودة لم تكن تعني حسب الإعلام الفرنسي عودة الحزب إلى الحكومة، خاصة وأن حزب بنكيران لم يتأخر في إعلان تموقعه في المعارضة، وهو ما أكدته تغطية «لوموند» بعد الانتخابات. وبالتالي، فإن القراءة الفرنسية للنتائج لم تختزل المشهد في ثنائية «حكومة / وإسلاميين». فالعدالة والتنمية استعاد جزءاً من حضوره البرلماني، لكنه سيظل خارج الأغلبية الحكومية المقبلة.
غير أن الرقم الذي توقف عنده تحليل «لوموند» كان هو نسبة المشاركة. التي لم تتجاوز 38 % . ونقلت الصحيفة عن مصطفى السحيمي أن دلالة هذا الرقم تصبح مختلفة بين احتسابها على أساس مجموع المسجلين في اللوائح الانتخابية (15.8 مليون) ، واحتسابها على أساس مجموع المغاربة الذين بلغوا سن التصويت (28 مليون) . ففي هذه الحالة لن يتجاوز الرقم 22 % . وبحسب هذا التحليل، فإن المسألة لا تتعلق فقط بعدد الذين لم يصوتوا، وإنما أيضاً بمستوى الثقة في الأحزاب والمؤسسات التمثيلية. وهكذا أصبح العزوف، في التغطية الإعلامية الفرنسية، جزءاً من قراءة وتحليل حصيلة الانتخابات وليس مجرد رقم في أسفل جدول النتائج.

