لم يكن إعلان فاطمة الزهراء المنصوري، خلال أشغال الدورة الثانية والثلاثين للمجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة المنعقدة بمدينة سلا، عن التحاق كل من فوزي لقجع والخطاط ينجا بالمكتب السياسي للحزب مجرد خبر تنظيمي عابر، بل يحمل دلالات سياسية تتجاوز حدود الحزب نفسه، لتلامس طبيعة المرحلة التي يستعد لها المغرب، داخليا وخارجيا، قبل الاستحقاقات التشريعية المقبلة.
فالتحاق فوزي لقجع، أحد أبرز مهندسي الأوراش المالية والاقتصادية الكبرى، والرجل الذي راكم نفوذا داخل مؤسسات الدولة، إلى جانب الخطاط ينجا، رئيس جهة الداخلة وادي الذهب وأحد أبرز الوجوه السياسية بالأقاليم الجنوبية، يكشف أن “البام” لا يكتفي بتقوية صفوفه انتخابيا، بل يسعى إلى تقديم نفسه كحزب قادر على قيادة المرحلة المقبلة.
غير أن القراءة السياسية الأعمق لا تتوقف عند حدود الانتخابات.
فإذا كان انضمام لقجع يعزز الوزن الوطني للحزب، فإن التحاق الخطاط ينجا يحمل رسالة مختلفة، ترتبط مباشرة بملف الصحراء المغربية.
منذ إعلان المغرب مبادرة الحكم الذاتي، أصبح تدبير الأقاليم الجنوبية جزءا من استراتيجية الدولة، ليس فقط دبلوماسيا، بل أيضا سياسيا وتنمويا.
وخلال السنوات الماضية، ارتبط اسم جهة الداخلة وادي الذهب بشخصية سياسية بارزة هي مولاي حمدي ولد الرشيد، الذي ظل أحد أهم الفاعلين في الأقاليم الجنوبية داخل المشهد الحزبي.
لكن المرحلة الحالية تبدو مختلفة.
فالدولة، وهي تقترب أكثر من تنزيل مشروع الحكم الذاتي باعتباره الحل الواقعي الذي يحظى بدعم دولي متزايد، تبدو في حاجة إلى تنويع النخب السياسية بالأقاليم الجنوبية، وعدم ربط تدبير هذا الورش الاستراتيجي بقطب حزبي أو شخصية سياسية واحدة.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم التحاق الخطاط ينجا بالبام باعتباره جزءا من إعادة توزيع مراكز القوة السياسية داخل الصحراء المغربية.
فالرسالة هنا ليست إضعاف طرف لصالح آخر، وإنما توسيع قاعدة النخب القادرة على مواكبة المرحلة المقبلة.
أي أن الدولة تبدو وكأنها تضع “أكثر من مفتاح” في الجنوب، حتى يبقى مشروع الحكم الذاتي مشروع دولة، وليس مشروع حزب بعينه.
المشهد السياسي المغربي قام تاريخيا على فكرة التوازن.
فكلما برز حزب أو شخصية بشكل كبير، عملت الدولة على خلق توازنات جديدة تمنع احتكار النفوذ.
اليوم، ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، يبدو أن هذا المنطق يعود بقوة.
وجود شخصيات وازنة داخل أكثر من حزب يمنح الدولة هامشا أوسع في تدبير المرحلة المقبلة، خاصة إذا كانت مرتبطة بورش استراتيجي بحجم الحكم الذاتي.
فالرهان لم يعد فقط من سيفوز بالانتخابات، بل من يمتلك الكفاءات السياسية والإدارية القادرة على تنزيل هذا المشروع التاريخي.
وماذا عن التجمع الوطني للأحرار؟
السؤال الذي بدأ يفرض نفسه بعد هذه التطورات هو: هل يفقد حزب التجمع الوطني للأحرار جزءا من زخمه السياسي؟
من السابق لأوانه الجزم بذلك.
صحيح أن انتقال شخصيات وازنة إلى “البام” يمنح هذا الأخير دفعة قوية قبل الانتخابات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الأحرار يتجه إلى المعارضة.
ففي النظام السياسي المغربي، تشكيل الحكومة لا يرتبط فقط بترتيب الأحزاب في صناديق الاقتراع، وإنما أيضا بمنطق التحالفات والقدرة على إنتاج أغلبية مستقرة.
لذلك، يبقى سيناريو انتقال “الحمامة” إلى المعارضة احتمالا سياسيا قائما، لكنه لا يزال رهينا بنتائج انتخابات شتنبر المقبلة وبالمفاوضات التي ستليها، ولا توجد معطيات رسمية تسمح باعتباره اتجاها محسوما.
ما جرى في سلا لا يبدو مجرد تجديد لهياكل حزب الأصالة والمعاصرة، بل يمكن اعتباره إعلانا عن دخول الحزب مرحلة جديدة، عنوانها استقطاب الكفاءات ذات الثقل المؤسساتي والجهوي.
كما أن الجمع بين شخصية بحجم فوزي لقجع، بما يمثله من خبرة في تدبير الملفات الوطنية الكبرى، والخطاط ينجا، بما يمثله من امتداد سياسي في الأقاليم الجنوبية، يمنح الحزب صورة تنظيم يسعى إلى التموقع في قلب الملفات الاستراتيجية للدولة، وليس فقط في المنافسة الانتخابية.
إذا صحت هذه القراءة، فإن ما يجري اليوم يتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة، ليعكس إعادة هندسة هادئة للتوازنات السياسية استعدادا لمرحلة يعتبرها كثيرون مفصلية في تاريخ المغرب.
فالرسالة الأساسية قد تكون أن الدولة، وهي تستعد للانتقال من الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي إلى مرحلة تنزيلها المؤسساتي، تحرص على تنويع مراكز القوة، وتوسيع قاعدة النخب، وعدم حصر تدبير هذا الورش الوطني في حزب واحد أو شخصية واحدة.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الأسابيع المقبلة: هل ينجح البام في تحويل هذه الاستقطابات إلى صدارة انتخابية، أم أن المشهد السياسي المغربي سيعيد إنتاج توازناته المعتادة بعد انتخابات 2026؟

