بقلم: نبيل النطاح
أثار تدخل إحدى المستشارات الجماعيات عن حزب الاستقلال، خلال دورة المجلس الجماعي المنعقدة يوم الأربعاء، جدلًا واسعًا، إثر مناقشة نقطة تحويل المحطة الطرقية القديمة إلى مركب تجاري.
فقد صرحت المستشارة، في معرض حديثها، بأن المدينة بحاجة إلى استقطاب العلامات التجارية الشهيرة (Les marques)، في سياق الحديث عن إعادة توظيف معلمة المحطة الطرقية وتحويلها إلى مركز تجاري.
يعيدنا هذا التصريح إلى المقولة الشهيرة المنسوبة إلى ملكة فرنسا ماري أنطوانيت: «إن لم يجدوا الخبز، فليأكلوا البسكويت!»، وذلك ردًّا، وفق الرواية المتداولة، على من أخبروها بمعاناة آلاف الفرنسيين من الفقر، الذي بلغ حدّ العجز عن توفير الخبز.
ففي الوقت الذي تعاني فيه المدينة من تراكم المشاكل وغياب أبسط المرافق والخدمات الأساسية، تنصرف تطلعات السيدة المستشارة نحو استقطاب العلامات التجارية العالمية!
إذ تشهد المدينة تراجعًا ملموسًا في مستوى النظافة، ونقصًا في المساحات الخضراء والحدائق العمومية التي تلبي تطلعات الساكنة، ناهيك عن الإجهاز على المرافق الثقافية، كالمسارح ودور السينما، فضلًا عن الاختلالات الكبيرة التي تشوب تدبير الأسواق القائمة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل غياب حافلات النقل الحضري، وتردي حالة الشبكة الطرقية، ومشاكل دور الصفيح، فضلًا عن كارثة مطرح النفايات.
ومع كل هذه التحديات التنموية، نجد من ينحصر تفكيره في استقطاب «الماركات» العالمية!
إن تجارب الساكنة مع تدبير المجلس الجماعي لعدد من المرافق خلال السنوات الماضية تبعث على الإحباط ولا تدعو إلى التفاؤل.
فالمحطة الطرقية القديمة ليست مجرد جدران أو بناية عابرة، بل هي جزء أصيل من الذاكرة الجماعية للمدينة، ومرفق حيوي ينبغي صون طابعه المعماري والتاريخي، مع إعادة توظيفه بما يلائم خصوصيته وموقعه الاستراتيجي.
وفي هذا الصدد، تشهد تجارب مدن أخرى على إمكانية تثمين الذاكرة العمرانية؛ إذ جرى تحويل المحطة الطرقية بمدينة الرباط إلى مركب ثقافي، فيما تتجه مدينة تطوان نحو الخيار ذاته.
وأمام هذه النماذج، يُطرح التساؤل: لماذا يصر مسؤولو العرائش على التغريد خارج السرب، من خلال الإصرار على تحويل هذا الفضاء إلى مشروع تجاري محض، بما قد يحرم الساكنة من حقها في الاستفادة من مرفق ثقافي عمومي ومجاني يخدم الجميع؟
إن تدبير الفضاءات العمومية وصون الذاكرة العمرانية لا ينبغي أن يخضعا لمنطق الربح والاستثمار التجاري الصرف، بل يجب أن يستحضرا الأبعاد الثقافية والاجتماعية، وأن يضمنا حق الساكنة الأصيل في الولوج إلى المرافق العمومية.
لقد أضحى من الضروري أن تبادر الجماعة إلى فتح نقاش عمومي مسؤول حول مستقبل المحطة الطرقية القديمة، وفق مقاربة تشاركية حقيقية تُشرك مختلف الفعاليات المدنية والثقافية والاقتصادية بالمدينة، تفاديًا لتكرار أخطاء المشاريع السابقة التي دُبّرت بشكل أحادي، بعيدًا عن تطلعات المواطنين وانشغالاتهم الحقيقية.

