بقلم: رفيق بلقرشي
من موقع التجربة الحزبية والممارسة السياسية وتحمل المسؤولية في تدبير الشأن العام، أجد أن من أخطر ما يواجه حياتنا السياسية اليوم ليس اتساع دائرة النقد، فذلك من علامات حيوية المجتمع، وإنما تنامي نزعة تجعل من التبخيس موقفاً دائماً، ومن التشكيك في كل مبادرة علامة على التفوق الأخلاقي، ومن الابتعاد عن المسؤولية شهادة مجانية بالنزاهة. إنها نزعة لا تكتفي بمساءلة الفعل العمومي، بل تميل إلى تجريده من قيمته، حتى يصبح الهدم أسهل من التفكير، والاعتراض أكثر رواجاً من الاقتراح.
في تعبيرنا المغربي، تحمل «القباحة» دلالة تتجاوز خشونة الكلام إلى سلوك يفتقر إلى الإنصاف والاحترام. وحين تنتقل إلى المجال السياسي، قد تتحول إلى ممارسة رمزية تقوم على تحقير الجهد، وتبسيط القضايا المعقدة، وإصدار الأحكام المطلقة من مواقع لا تخضع لاختبار الفعل. والأخطر أن هذه الممارسة قد تتخفى وراء خطاب طهراني يقدم صاحبه باعتباره أقدر من الجميع على تشخيص الأخطاء، وأبعدهم عن المصالح، دون أن يوضح بالضرورة ما يقترحه بديلاً أو ما هو مستعد لتحمل مسؤوليته.
غير أن التمييز واجب بين النقد الجاد والتبخيس العدمي. فالأول يكشف الاختلالات ويفتح إمكانات التصحيح، ولو كان حاداً؛ أما الثاني فيحول كل تعثر إلى دليل على استحالة الإصلاح، وكل اختلاف إلى شبهة، وكل إنجاز إلى مناسبة للتشكيك. وليس مطلوباً من المواطن أن يقدم برنامجاً حكومياً حتى يمارس حقه في الاعتراض، لكن من يتصدى لتوجيه الرأي العام، أو يقدم نفسه بديلاً سياسياً وأخلاقياً، يصبح مطالباً بقدر أكبر من الوضوح والاتساق والمسؤولية.
لقد علمتني التجربة أن القرار العمومي لا يصنع في الفراغ، ولا يقوم على المفاضلة بين الخير والشر، بل بين أولويات متنافسة وإمكانات محدودة وإكراهات مؤسساتية متشابكة. فقد تتوفر الإرادة ويتعثر التمويل، أو تتوفر الموارد ويتأخر التنفيذ، أو تصطدم المبادرة بتعدد المتدخلين وضعف الالتقائية. وهذه الوقائع لا تعفي المسؤول من المحاسبة، لكنها تفرض أن تكون المحاسبة دقيقة، تميز بين سوء الاختيار وضعف التدبير والعوائق الموضوعية، بدل اختزال الجميع في حكم واحد بالفشل.
وهنا يستعيد التمييز الذي وضعه ماكس فيبر بين أخلاق الاقتناع وأخلاق المسؤولية راهنيته. فمن السهل الدفاع عن المبادئ في صورتها المثالية، لكن الأصعب هو ترجمتها إلى قرارات قابلة للتنفيذ وتحمل نتائجها. كما يساعد مفهوم الرأسمال الرمزي لدى بيير بورديو على فهم كيف يمكن أن تتحول القدرة على إصدار الأحكام القاسية إلى مصدر للنفوذ والاعتراف، حتى في غياب تجربة عملية أو مشروع واضح.
لكن الظاهرة اكتسبت اليوم بعداً أشد تعقيداً بفعل شبكات التواصل الاجتماعي. فقد أصبح التبخيس قابلاً للتضخيم والتوجيه عبر آليات تتجاوز قوة الحجة إلى قوة الانتشار. يكفي أحياناً اقتطاع تصريح من سياقه، أو تكرار حكم جزئي، أو تقديم واقعة محدودة باعتبارها تعبيراً عن فشل شامل، حتى يتشكل انطباع جماعي يصعب تصحيحه. وهكذا تختلط شعبية المنشور بصدقية مضمونه، ويتحول حجم التفاعل إلى سلطة معنوية قد لا تعكس حقيقة الرأي العام.
وتزداد خطورة الأمر حين تتدخل حسابات منسقة أو محتويات ممولة أو أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج الرسائل وتكرارها وتكييفها مع الانفعالات السائدة. فالتحكم في النقاش العمومي لا يمر دائماً عبر فرض ما ينبغي أن يفكر فيه الناس، بل عبر التأثير في الموضوعات التي ينشغلون بها، والسياقات التي يفهمونها من خلالها، والمشاعر التي تسبق أحكامهم. ومع ذلك، فإن اتساع الانتقاد أو تشابه المواقف لا يثبت وحده وجود تجييش منظم؛ فالغضب الاجتماعي قد يكون أصيلاً ومبرراً، وأي اتهام بالتلاعب يحتاج إلى قرائن لا إلى مجرد انطباعات.
وما يقلقني، من واقع الممارسة، ليس أن يتعرض مسؤول أو حزب لانتقاد قاسٍ، بل أن يتحول التبخيس المتواصل إلى ثقافة عامة تقنع المواطنين بأن كل المؤسسات متشابهة، وكل المبادرات عبثية، وكل مشاركة بلا جدوى. عندئذ لا تتضرر صورة الفاعلين السياسيين وحدهم، بل تتآكل الثقة في إمكانية الإصلاح نفسها. ويصبح الانسحاب من الشأن العام نتيجة طبيعية لشعور جماعي بالعجز، بينما تستفيد الخطابات الأكثر صخباً من الفراغ الذي يخلفه تراجع المشاركة.
ولا يخلو ادعاء الاستقلالية المطلقة من مفارقة تستحق النقاش. فالانتماء الحزبي ليس قرينة على غياب النزاهة، كما أن الابتعاد عن الأحزاب لا يمنح صاحبه حصانة أخلاقية. قد يكون المستقل صاحب موقف شجاع ومبدئي، وقد يكون الحزبي أكثر استعداداً للنقد الذاتي من غيره. المعيار ليس الموقع التنظيمي، بل صدقية الخطاب وشفافية المصالح واتساق المواقف. ومن يمارس تأثيراً سياسياً واسعاً لا ينبغي أن يجعل من استقلاليته المعلنة بديلاً عن مساءلة أفكاره ومرجعياته.
لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الأحزاب والمؤسسات تتحمل بدورها قسطاً من المسؤولية عن المناخ الذي يسمح بازدهار التبخيس. فضعف التواصل، وتضخم الوعود، وبطء معالجة الاختلالات، وضيق فضاءات المشاركة، كلها عوامل تغذي الشك وتضعف الثقة. ولا يمكن مواجهة النقد العدمي بخطاب تبريري يعتبر كل اعتراض سوء نية، أو يطالب المواطنين بالصبر دون تقديم نتائج قابلة للتحقق.
من هنا، أرى أن المواجهة الحقيقية تبدأ بإعادة بناء العلاقة بين المسؤولية والوضوح. ينبغي الانتقال من الإعلان عن المشاريع إلى نشر حصيلتها الفعلية: الاعتمادات، والآجال، ونسب الإنجاز، وأسباب التعثر، والإجراءات التصحيحية. فالمعلومة الدقيقة لا تمنع النقد، لكنها تنقله من الانطباع إلى التقييم، وتجعل المسؤول والمُنتقد معاً أمام الوقائع.
ويقتضي الأمر كذلك أن تستعيد الأحزاب دورها في إنتاج الأفكار وتأطير النقاش، لا أن تختزل حضورها في الدفاع عن الأشخاص أو الرد على الحملات الرقمية. فالحزب الذي لا يجدد نخبه، ولا يحتضن الاختلاف، ولا يقدم بدائل قابلة للقياس، يترك المجال مفتوحاً أمام من يحولون الغضب إلى رأسمال للتأثير دون مشروع سياسي متكامل.
أما على المستوى الترابي، فإن التجربة تؤكد ضرورة الانتقال من المشاركة الشكلية إلى المشاركة المنتجة للأثر، عبر منصات شفافة لتتبع المشاريع، وجلسات دورية للمساءلة، وآليات تسمح للمواطنين باقتراح الحلول ومعرفة مآل مقترحاتهم. فحين يرى المواطن أن صوته يمكن أن يؤثر في القرار، تتراجع المسافة بين الاحتجاج والمبادرة، وبين الانتقاد والمساهمة في الإصلاح.
ولا يقل عن ذلك أهمية الاستثمار في التربية الإعلامية والرقمية، خصوصاً لدى الشباب، حتى يصبح التحقق من المصادر وفهم الخوارزميات والتمييز بين الوقائع والانطباعات جزءاً من الثقافة المدنية. كما ينبغي تعزيز شفافية المحتويات السياسية الممولة، والتصدي للتضليل والتلاعب المنسق، مع صون حرية التعبير باعتبارها شرطاً للديمقراطية لا عائقاً أمامها.
إن التحدي، في جوهره، ليس إسكات الأصوات الغاضبة، بل تحرير النقاش العمومي من ثنائية التمجيد والتبخيس. فلا المسؤول يمتلك الحقيقة لمجرد أنه يمارس السلطة، ولا المنتقد يحتكر الفضيلة لمجرد أنه يقف خارجها. كلاهما مطالب، بحسب موقعه، باحترام الوقائع والاعتراف بالأخطاء والقبول بالمحاسبة.
لقد علمتني التجربة أن النقد الصادق قد يكون أثمن من المديح، وأن الاعتراف بالتعثر بداية للإصلاح لا علامة ضعف. لكنها علمتني أيضاً أن أسهل المواقف هو إصدار الأحكام، وأصعبها تحمل مسؤولية الاختيار والإنجاز.
فالقباحة ليست في حدة النقد، بل في انعدام الإنصاف؛ وليست الطهرانية في الدفاع عن المبادئ، بل في ادعاء امتلاك الفضيلة دون قبول اختبار المسؤولية. وما تحتاجه حياتنا السياسية ليس مزيداً من الأصوات التي تتقن إعلان الفشل، ولا مزيداً من المسؤولين الذين يضيقون بالنقد، وإنما ثقافة تجعل من الاختلاف معرفة، ومن المساءلة إصلاحاً، ومن الالتزام شجاعة عملية. فالأوطان لا تتقدم بمن يحتكرون الصواب، بل بمن يملكون شجاعة الفعل وتواضع المراجعة وصدق المحاسبة.

