بقلك: جهاد النحال
تقدم مقاربة ( الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة) نفسها باعتبارها تحولا في فلسفة تدبير المجال، قوامها القرب من المواطن، والإنصات لحاجياته، وإشراكه في تحديد الأولويات وصناعة القرار. غير أن ما جرى بشأن مشروع الشرفة الأطلسية بالعرائش يكشف عن هوة عميقة بين هذا الخطاب والممارسة، ويقدم نموذجاً صارخا لكيفية تحول التنمية حين تنفصل عن إرادة المجتمع المحلي إلى قرارات فوقية يُطلب من الساكنة أن تتكيف معها بدل أن تكون شريكا في صياغتها.
لقد عبّرت ساكنة العرائش عن رفضها للمشروع بصيغته المعتمدة عبر مراسلة الجهات المعنية، وتنظيم وقفات احتجاجية، وتقديم مقترحات بديلة صاغتها فعاليات من المجتمع المدني المحلي، بمشاركة مؤرخين وباحثين في تاريخ المدينة وجمعيات بيئية وفاعلين مهتمين بهويتها البصرية وذاكرتها العمرانية. لم تكن هذه المبادرات رفضاً للتنمية، بل محاولة لانتزاع حق المدينة في أن تُبنى وفق خصوصيتها ومصالح أهلها، لا وفق تصورات جاهزة تُفرض عليها من خارج نقاشها المحلي.
لكن صوت الساكنة لم يجد طريقه إلى القرار، ومضى المشروع نحو التنفيذ رغم الاعتراضات. وهنا تتجلى أزمة الديمقراطية المحلية في صورتها العملية : فالمؤسسات لا تكتسب شرعيتها بمجرد امتلاك صلاحية اتخاذ القرار، بل بمدى استجابتها للمجتمع الذي تدبر شؤونه. أما اختزال المشاركة المواطنة في تلقي المراسلات وتسجيل الملاحظات والاحتجاجات دون أثر في الاختيارات، فليس سوى تحويل للديمقراطية التشاركية إلى واجهة شكلية تُجمّل قراراً حُسم سلفاً.
وتزداد المفارقة فجاجة عند الانتقال من الصورة الترويجية للشرفة الأطلسية إلى واقع الهيكل المعدني الذي جرى تركيبه، فبين التصور الذي سُوّق للرأي العام والمنشأة التي ظهرت على أرض الواقع مسافة تستدعي أكثر من مجرد التبرير التقني. إنها مسألة شفافية في تدبير المال العام تفرض الكشف عن الكلفة المالية للتصور الترويجي ومقارنتها بالكلفة الحقيقية للدراسة والإنجاز والتركيب الخاصة بالهيكل المعدني المنفذ، مع نشر المعطيات المرتبطة بالصفقة ومكوناتها. فلا يعقل أن يُسوّق للرأي العام مشروع بصري ومعماري معين، ثم يجد نفسه أمام منتج مختلف دون توضيح للفوارق التقنية والمالية. فالمال العام ليس رصيداً مفتوحاً لتغطية اختيارات مبهمة، ولا يجوز أن تتحول الفجوة بين الصورة والواقع إلى تفصيل عابر خارج دائرة المساءلة.
ولا يقف الأمر عند حدود الكلفة المالية، بل يمتد إلى هدر الزمن التنموي، إذ كان من الممكن استثمار الزمن والموارد في نقاش محلي جدي، ودراسة البدائل التي قدمتها الساكنة، والوصول إلى تصور يحظى بالقبول وينسجم مع تاريخ المدينة وبيئتها وهويتها. إن إقصاء المعرفة المحلية وتهميش الفاعلين المدنيين لا يؤدي فقط إلى إضعاف المشاركة، بل يحرم المجال الترابي من رصيد معرفي كان قادراً على تحسين المشروع وتفادي الاختيارات المكلفة وغير المنسجمة مع حاجياته.
إن جوهر التنمية ليس في حجم الأعمدة الحديدية ولا في عدد المشاريع المنجزة، بل فيمن يحدد وجهتها، ومن يستفيد من نتائجها، ومدى استجابتها للمصلحة الجماعية. فالمدينة ليست ملكية إدارية لأحد، وفضاءاتها العامة ليست مختبراً لتجريب تصورات معزولة عن تاريخها وساكنتها. كما أن التنمية التي تقيس نجاحها بالإنجاز واستهلاك الاعتمادات وتتجاهل جودة الاختيار والقبول المجتمعي، إنما تختزل المجال في موضوع للتدخل بدل اعتباره فضاءً للعيش المشترك والذاكرة والمصلحة العامة.
إن العرائش لا ترفض التنمية، بل ترفض أن تتحول إلى متلق سلبي لقرارات تتخذ باسمها دون إشراكها، وأن تُختزل هويتها في منشآت لا تعكس تاريخها وتطلعات أهلها. وما تستحقه اليوم ليس خطاباً تبريرياً جديداً، بل كشفاً واضحاً للكلفة المالية، وتفسيراً للفارق بين المشروع المروّج له و المشروع المنجز، ومراجعةً لطريقة تدبير القرار المحلي.

