شهدت المحكمة الابتدائية بالعرائش يوم الخميس 29 أكتوبر واقعة تثير تساؤلات جدية حول مدى احترام ضمانات الدفاع وواجب البحث عن الحقيقة، وذلك على إثر تقديم مشتبه فيه من أجل إهانة رجال القوة العمومية أثناء قيامهم بمهامهم، والتهديد بواسطة السلاح ضدهم، ومحاولة تسهيل هروب شخص مقبوض عليه.
وحسب دفاع المشتبه فيه، تضمنت وثائق الملف محضرا يتضمن اعترافا منسوبا إلى المشتبه فيه بحيازة سكين والتلويح به في وجه عناصر الشرطة، في حين أنكر المعني بالأمر الوقائع المنسوبة إليه. وأمام هذا التعارض، التمس دفاعه استكمال البحث عن طريق استخراج وتفريغ تسجيل كاميرا مراقبة وثقت الواقعة، قصد التحقق من حقيقة ما جرى.
ورغم أن المشتبه فيه لم يكن قد قضى سوى 24 ساعة تحت الحراسة النظرية، مع بقاء إمكانية التمديد وفق الشروط القانونية، ورغم عرض الدفاع تسجيلا مرئيا على النيابة العامة يتمسك بأنه ينفي واقعة حمل السلاح والتهديد به، وتسهيل هروب شخص معتقل، فقد تقرر إيداعه السجن وإحالته على المحكمة في حالة اعتقال، دون الاستجابة إلى ملتمس استكمال البحث.
واعتبر دفاع المشتبه فيه أن هذا القرار يثير إشكالا جديا بشأن واجب البحث عن الحقيقة، خاصة أن المحضر، مهما كانت حجيته، لا يعفي سلطات البحث والعدالة من التحقق من دليل مضاد جدي متى كان متاحا ومنتجا في القضية. كما أثار تساؤلات بشأن مدى احترام واجب الحياد والموضوعية، اللذين يقتضيان التعامل مع المعطيات التي قد تنفي الاتهام بالجدية نفسها التي تعامل بها أدلة الإثبات.
وأضاف ان خطورة هذه الواقعة تتجاوز الاختلاف حول تقدير الأدلة، لتطرح سؤالا جوهريا: هل يكفي الاعتراف المنسوب إلى المشتبه فيه في محضر الشرطة لاتخاذ قرار يمس حريته، في الوقت الذي يضع فيه الدفاع أمام النيابة العامة دليلا مرئيا يطلب التحقق منه قبل الإحالة على المحكمة؟
فإذا كانت المحكمة هي صاحبة الاختصاص في البت في الإدانة أو البراءة، فإن ذلك لا يعفي النيابة العامة من مسؤوليتها في التحقق من المعطيات الجوهرية، ولا سيما حين يتعلق الأمر بإجراء يمس الحرية الفردية، مع ضرورة التمييز بين شروط قيام حالة التلبس وشروط الإيداع في السجن، وفق المقتضيات القانونية المنظمة لكل منهما.
وتعيد هذه الواقعة إلى الواجهة النقاش حول دور النيابة العامة في حماية الحق العام، الذي لا يقتصر على متابعة مرتكبي الجرائم، بل يشمل كذلك صون الحقوق والحريات وضمان التطبيق السليم للقانون؛ إذ لا يستقيم أن يتحول البحث عن أدلة البراءة إلى مسؤولية مؤجلة يتحملها المتهم وحده بعد إيداعه السجن.
فالمطلوب ليس إعلان البراءة قبل المحاكمة، وإنما التحقق من الحقيقة قبل اتخاذ الإجراءات الماسة بالحرية، لأن قرينة البراءة ليست مجرد مبدأ يستحضر عند صدور الحكم، بل ضمانة ينبغي احترامها طوال المسطرة الجنائية.

