أعلنت الحكومة عن إطلاق حصة إضافية جديدة من الدعم الاستثنائي المباشر لفائدة مهنيي النقل الطرقي للأشخاص والبضائع، تمتد على مدى 15 يوماً، على أن تنطلق عملية تسجيل طلبات الاستفادة منها ابتداءً من الثلاثاء 10 نونبر 2026، عبر المنصة الإلكترونية المخصصة لهذا الغرض.
ويأتي القرار في سياق استمرار ارتفاع أسعار المواد البترولية في الأسواق الدولية وانعكاساتها على السوق الوطنية، وفق ما أورده بلاغ رئاسة الحكومة. غير أن تجديد هذا الدعم يطرح سؤالاً يتجاوز استفادة المهنيين منه، ويتعلق بمدى انعكاسه الفعلي على أسعار السلع والخدمات، وبالتالي على القدرة الشرائية للمواطنين.
دعم النقل.. وماذا عن أسعار البضائع؟
تشكل المحروقات أحد المكونات الأساسية لتكلفة النقل، خصوصاً بالنسبة للشاحنات التي تتولى نقل المنتجات الفلاحية والمواد الغذائية والسلع بين مناطق الإنتاج وأسواق الجملة ومراكز التوزيع ونقط البيع. ومن هذا المنطلق، يمكن أن يساهم تخفيف الأعباء المالية عن مهنيي النقل في الحد من ارتفاع تكاليف نشاطهم والحفاظ على استمرارية خدماتهم.
لكن الإشكال المطروح هو: هل يؤدي دعم الناقلين بالضرورة إلى انخفاض تكلفة وصول البضائع إلى المستهلك؟ وهل توجد آليات تضمن انتقال أثر هذا الدعم إلى أسعار البيع، أم أن الاستفادة ستظل محصورة في تخفيف الأعباء عن المهنيين دون انعكاس ملموس على الفاتورة التي يؤديها المواطن؟
لذلك، فإن قياس فعالية هذا الإجراء ينبغي ألا يتوقف عند عدد المستفيدين أو حجم المبالغ المصروفة، بل يجب أن يمتد إلى تتبع تطور تكاليف النقل ومدى انعكاسها على أسعار السلع في مختلف مراحل التسويق.
هل المحروقات وحدها وراء الغلاء؟
إن اختزال أزمة ارتفاع الأسعار في تكاليف النقل وأسعار المحروقات لا يقدم صورة مكتملة عن أسبابها. فالسعر النهائي لأي منتج يتأثر بمجموعة من العوامل، تبدأ من تكلفة الإنتاج والتوريد، مروراً بالتخزين والوساطة والتوزيع، وصولاً إلى هوامش الربح المعتمدة في البيع بالتقسيط.
وفي هذا السياق، سبق لمجلس المنافسة أن رصد، في رأيه الصادر سنة 2025 بشأن مسالك توزيع المواد الغذائية، اختلالات بنيوية في منظومة التوزيع، إلى جانب ممارسات تجارية تؤثر على شفافية الأسعار وآليات المنافسة. كما تناول مسألة انتقال الزيادات في التكاليف إلى المستهلك، مقابل عدم انعكاس التخفيضات بالوتيرة نفسها في بعض الحالات.
وتفتح هذه المعطيات النقاش حول تأثير تعدد الوسطاء وضعف شفافية المعاملات وتركيز بعض أنشطة التوزيع وهوامش الربح في استمرار ارتفاع أسعار عدد من المواد، حتى عندما تتراجع بعض تكاليف الإنتاج أو النقل.
ولا يعني ذلك افتراض وجود احتكار في جميع القطاعات، وإنما يقتضي التمييز بين الارتفاع الناتج عن تكاليف حقيقية والزيادات المرتبطة بممارسات تجارية قد تضر بالمنافسة والمستهلك.
من دعم ظرفي إلى رؤية شاملة
إن استمرار إطلاق حصص دعم جديدة كل 15 يوماً يعكس حجم الضغط الذي تعرفه تكاليف النقل في ظل تقلبات أسعار الطاقة، لكنه يطرح في المقابل سؤال الاستدامة: إلى متى يمكن مواصلة معالجة هذه التداعيات عبر دعم استثنائي متجدد دون معالجة العوامل الأخرى التي تتحكم في مستويات الأسعار؟
لجنة حكومية لتتبع الأسعار.. هل تتجاوز المراقبة إلى معالجة الاختلالات؟
وفي سياق متصل، أعلنت الحكومة عن إحداث لجنة بين وزارية تضم القطاعات المعنية، تتولى بشكل دوري تتبع تقلب الأسعار واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية القدرة الشرائية، خاصة بالنسبة للمواد التي تعرف إقبالاً متزايداً خلال شهر رمضان.
غير أن فعالية هذه اللجنة ستظل مرتبطة بمدى تجاوزها مجرد مراقبة الأسعار إلى معالجة الاختلالات التي تتحكم فيها، من خلال تتبع مسارات التوزيع ومراقبة هوامش الربح والتصدي للممارسات المنافية للمنافسة، بتنسيق مع مجلس المنافسة.
فالمطلوب ليس فقط رصد الغلاء ودعم المهنيين، بل معالجة أسبابه وضمان انعكاس التدخلات الحكومية على الأسعار النهائية، بما يخفف كلفة المعيشة ويحمي القدرة الشرائية للمواطنين.

