بقلم : طارق الفلاحي
العرائش لا تحتاج فقط إلى مشاريع تملأ الفضاءات بالمحلات التجارية، بل إلى مشاريع تصنع الإنسان، وتخلق فرص الشغل، وتفتح آفاق المستقبل.
كم من قيسرية أُحدثت في مدينتنا دون أن تحقق الأثر الاقتصادي والاجتماعي المنتظر؟ وأمام الركود الاقتصادي ومحدودية فرص الشغل والتحديات التي تواجه الشباب والنساء والأسر الهشة، ألا يستحق الأمر إعادة التفكير في مفهوم التنمية، والانتقال من منطق الاستهلاك إلى منطق الإنتاج والاستثمار في الإنسان؟
لسنا ضد التجارة أو الاستثمار الخاص، فهما عنصران أساسيان في الاقتصاد، لكننا نتساءل عن القيمة المضافة التي يمكن أن تحققها المحطة القديمة، وعن إمكانية تحويلها إلى مشروع تنموي واجتماعي ومعرفي أكثر استجابة لحاجيات المدينة، مع الحفاظ على طابعها المعماري والتاريخي.
لماذا لا تتحول المحطة القديمة إلى مركب اجتماعي وتنموي متعدد الوظائف، يجعل من الملك العمومي رافعة لخدمة الصالح العام؟
يمكن أن يضم هذا المشروع:
🔹 مكتبة رقمية ومركزاً للمعرفة والابتكار: فضاءً للمطالعة والبحث والتكوين في البرمجة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والتصميم الرقمي، يساعد الشباب على اكتساب مهارات جديدة، وإطلاق مشاريع مبتكرة، وتوظيف المعرفة الرقمية في التعريف بتاريخ العرائش وتراثها، وتطوير السياحة الثقافية وخدمات المقاولات المحلية.
🔹 مركزاً للتكوين والإنتاج لفائدة النساء والأرامل: ورشات للخياطة والصناعة التقليدية والطبخ والحلويات والمنتجات المحلية، إلى جانب التجارة الإلكترونية والتسويق الرقمي، مع مواكبة إنشاء التعاونيات والمشاريع الصغيرة وربط منتجاتها بالأسواق. فالغاية ليست تقديم مساعدة مؤقتة، بل تمكين النساء من تحقيق دخل يحفظ كرامتهن ويساعدهن على إعالة أسرهن.
🔹 فضاءً متخصصاً لمواكبة الأطفال في وضعية التوحد وأسرهم: يوفر أنشطة ملائمة وخدمات للتأهيل والتوجيه والدعم، بشراكة مع جمعيات متخصصة ومهنيين مؤهلين، مع مراعاة حاجيات الأسر محدودة الدخل.
🔹 مركزاً للإدماج والتكوين لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة: يتيح التعلم الرقمي والتكوين المهني والأنشطة الإنتاجية والثقافية والرياضية الدامجة، مع توفير الولوجيات والتجهيزات اللازمة، بهدف تمكينهم من التعلم والعمل والمشاركة الفعلية في المجتمع.
🔹 داراً للشباب والأطفال والإبداع: فضاءً للمسرح والموسيقى والرسم والتصوير والسينما واللغات والدعم المدرسي والأنشطة العلمية والتكنولوجية، يمنح الأطفال والشباب فرصاً لاكتشاف مواهبهم وتطوير قدراتهم، بعيداً عن التهميش وغياب الفرص.
🔹 مركزاً للمواكبة الاجتماعية والإدماج المهني: يساعد الأرامل والأسر الهشة والأشخاص في وضعية إعاقة على التعرف على برامج الدعم والتكوين والتشغيل، ومواكبة الإجراءات الإدارية، والتواصل مع المؤسسات والجمعيات والمقاولات، إلى جانب أنشطة التوعية الأسرية والمواطنة والتطوع.
هذه المقترحات ليست مشاريع يجب إنجازها كلها دفعة واحدة، بل أفكار قابلة للدراسة والتطوير، وفق حاجيات المدينة وإمكاناتها. ويمكن تحقيقها من خلال شراكات واضحة بين الجماعة والجمعيات المتخصصة ومؤسسات التكوين والقطاع الخاص، بما يضمن الشفافية وتكافؤ الفرص وحسن التدبير، دون أن تتحول الجماعة بالضرورة إلى مسير مباشر لجميع الأنشطة.
كما أن نجاح المشروع يقتضي دراسة دقيقة للحاجيات، وتحديد الأولويات والميزانية، ووضع آليات واضحة للتسيير والتقييم والمحاسبة، حتى لا يبقى مجرد تصور جميل دون أثر ملموس.
إن نجاح التنمية لا يقاس بعدد المحلات التجارية التي تُفتح، بل بعدد فرص الشغل التي تُخلق، والنساء اللواتي يصبحن قادرات على الإنتاج، والشباب الذين يكتسبون مهارات جديدة، والأطفال الذين يحصلون على مواكبة مناسبة، والأشخاص الذين تُفتح أمامهم أبواب الإدماج والكرامة.
إن الاستثمار في الإنسان لا يتعارض مع التجارة والبنية التحتية، بل يكملهما ويمنحهما قيمة مستدامة. فالمدينة تحتاج إلى شوارع مهيأة ومشاريع اقتصادية، لكنها تحتاج أيضاً إلى عقول مبدعة، وشباب مؤهل ومستقل فكرياً واقتصادياً، ونساء منتجات، ومؤسسات اجتماعية تستجيب لحاجيات المواطنين.
ومن حقنا أن نتساءل: كيف يمكن لمدينة تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة ألا تجعل المعرفة والتكوين والإنتاج والإدماج الاجتماعي في صلب رؤيتها التنموية؟
لسنا ضد تهيئة المحطة القديمة، بل ضد أن تنتهي التهيئة عند جمال الحجر دون أن تصل إلى بناء الإنسان. ولسنا ضد المشاريع التجارية، بل نطالب بتنويع الاستثمار حتى لا تظل التنمية محصورة في الأنشطة الاستهلاكية، بل تمتد إلى المشاريع المعرفية والإنتاجية والاجتماعية التي تخلق قيمة حقيقية للمجتمع.
بالنسبة إليّ، يمكن للمحطة القديمة أن تصبح نموذجاً جديداً في تدبير الممتلكات الجماعية: فضاءً يحافظ على ذاكرة العرائش وهويتها المعمارية، ويربط ماضيها بمستقبلها، ويحوّل المعرفة إلى فرصة، والتكوين إلى عمل، والتضامن إلى تمكين، والاستثمار إلى تنمية مستدامة.
فهل نملك الجرأة لنفكر في مدينتنا بهذه الرؤية؟ وهل نستطيع أن نجعل من المحطة القديمة مشروعاً يصنع الفرص ويحتضن المواهب ويخدم الفئات التي تحتاج إلى الدعم، بدل الاكتفاء بإضافة فضاء تجاري آخر؟
العرائش تستحق مشاريع لا تملأ الفضاءات فقط، بل تفتح الآفاق، وتصنع الأمل، وتستثمر في الإنسان، وتبني المستقبل.

