من فرنسا : الدكتور عبد اللطيف القرشي
صدر في 14 أكتوبر الجاري عن دار النشر الفرنسية الشهيرة «ألبان ميشيل» كتابMohammed VI : Héritage et destin de la monarchie alaouite “محمد السادس : إرث ومصير الملكية العلوية” [ هكذا حتى نبقى أوفياء لحرفية العنوان] للكاتب والإعلامي ستيفان بيرن، المعروف في فرنسا بتخصصه في تاريخ العائلات الملكية والذي يعرفه المغاربة الذين يتابعون القنوات الفرنسية ببرنامجه المتميز “أسرار التاريخ” الذي يخصص جزءا كبيرا منه لتاريخ وأسرار السلالات الحاكمة في أوروبا، وكان قد كرّس إحدى حلقاته للمولى إسماعيل وعلاقاته السياسية والشخصية بلويس الرابع عشر.
يأتي هذا الإصدار الذي يقع في 368 صفحة ليضيف عنواناً جديداً إلى ما يُنشر في فرنسا عن الملكية المغربية، في وقت يتقاطع فيه الاهتمام بتاريخها مع الأسئلة المرتبطة بموقعها في الحياة السياسية المعاصرة. خاصة مع الزيارة المرتقبة للملك محمد السادس لفرنسا. حيث تجد الإشارة إلى أننا رصدنا إصدار المطابع الفرنسية ما لا يقل عن 15 كتابا خصصتها للملك محمد السادس منذ توليه السلطة، وهي إصدارات تتوزع ما بين القراءة الصحفية العابرة والتحليل السياسي العميق والدراسة التاريخية المتفحصة، من بين هذه الكتب: الملوك الثلاثة الملكية المغربية منذ الاستقلال إلى اليوم Les Trois Rois : La monarchie marocaine de l’indépendance à nos jours عن دار نشر غراسيه سنة 2004 للصحفي العارف بخبايا المغرب إينياس دال، وكتاب أنا مدين لوالدكم يا جلالة الملك Majesté, je dois beaucoup à votre père… : France-Maroc, une affaire de famille لجان بيير تيكوا، عن دار ألبان ميشيل سنة 2006. والدراسة المرجعية الهامة للمؤرخ الفرنسي المتخصص في تاريخ المغرب بيير فيرموران بعنوان المغرب ومحمد السادس : الانتقال غير المكتمل Le Maroc de Mohammed VI : la transition inachevée عن دار لا دكوفيرت المتخصصة في العالم العربي سنة 2009 ، وكتاب محمد السادس أو الملكية المتبصرة Mohammed VI ou la monarchie visionnaire لمدير مرصد العلوم السياسية في باريس شارل سان برو الصادر سنة 2009. وفي السنة التي نحن بصدد توديعها صدرت ثلاثة كتب، من بينها المؤلف الذي نحاول هنا رصد التفاعلات الأولى للإعلام الفرنسي مع نزوله إلى المكتبات، وذلك حتى قبل الاطلاع على محتواه، إذ لم تمض على صدوره سوى أربعة أيام.
في المادة التي نشرها موقع «أوروبا 1» يوم صدور الكتاب، قال ستيفان بيرن “إن الفرنسيين يحبون المغرب ويعرفونه جيداً من خلال زياراتهم له، لكنهم لا يعرفون بالقدر نفسه تاريخ ملكيته”. وتلخص هذه الملاحظة الفكرة التي ينطلق منها مشروعه، أي الانتقال بالقارئ من صورة المغرب بوصفه مجرد وجهة سياحية مألوفة بل ربما احيانا عجائبية، إلى التعرف على تاريخ المؤسسة السياسية التي لعبت دورا مركزيا في تشكيل الدولة المغربية، وأضاف الكاتب بأنه صديق عاشق للمغرب وأراد من خلال كتابه “الاحتفاء بربع قرن من حكم محمد السادس وتسليط الضوء على الروابط التاريخية بين فرنسا والمملكة الشريفة”.

موقع الناشر” ألبان ميشيل” قدم الملكية المغربية كواحدة من أقدم الملكيات في العالم، وقدّم الكتاب باعتباره سرداً لتاريخ يمتد من إدريس الأول، مروراً بالسلالات التي تعاقبت على حكم المغرب، وصولاً إلى العلويين الذين يؤرخ لصعودهم بالقرن السابع عشر مذكرا بأنهم ينحدرون من علي ابن عم الرسول وزوج ابنته فاطمة، ومن هذا المسار الطويل ينتقل بيرن إلى محمد السادس، محاولاً وضع الملك الحالي ضمن تاريخ السلالة التي ينتمي إليها، مؤكدا على تمتعه بالسلطتين الدينية (إمارة المؤمنين) والزمنية (الملكية الدستورية) وعلى مساهمته في ما عرفته المملكة من تحولات عميقة منذ توليه الحكم سنة 1999 بعد وفاة والده الحسن الثاني، واضع ركائز الدولة المركزية الحديثة. ويعلن عنوان الكتاب نفسه عن هذا الاختيار؛ فعبارتا «الإرث» و«المصير» تحيلان إلى عراقة وامتداد المؤسسة الملكية في الماضي وسعيها إلى التكيف مع تحولات الحاضر.
أما موقع «نبالة وملكية» Noblesse & Royautés، حتى وإن كان لا يُفرِد الملكية المغربية بصفحة خاصة – مثلما هو الأمر مع ملكيات أخرى أوروبية تحديدا بل حتى غير أوروبية – فإنه يواكب أخبار الأسرة العلوية من خلال خط زمني تفاعلي يتم تحديثه كلما جدّ جديد ، ولذلك فق فقد اهتم بالإعلان عن الكتاب وتقديم الخطوط العامة لمضمونه قبل صدوره.
يخصص الكتاب، بحسب موقع الناشر والصحف التي تطرقت إليه مساحة كبيرة لتصوير عهد محمد السادس. حيث يذكر موقع “البان ميشيل” أن بيرن استفاد من ” اتصالات بشخصيات من قلب البلاط الملكي” وهذه الإشارة تكتسب أهمية خاصة، لأنها تسلط الضوء على طبيعة المصادر التي اعتمد عليها الكاتب في بناء صورة ملك لا يُكثر من الظهور الإعلامي خلافا لما كان عليه الشأن مع الحسن الثاني، وبالتأكيد على هذه المسالة يحاول الكاتب وناشره الارتقاء بالكتاب إلى مستوى الوثيقة التاريخية التي تضع بين يدي القارئ معطيات لا تتوفر في المراجع العامة، وهذه المصادر هي التي أتاحت لبيرن، بحسب تعبيره، رسم بورتريه للملك دقيق، وتناوُل التحولات التي شهدتها المملكة خلال سنوات حك، وتستشهد “جريدة الأحد” Le JDD بستيفان بيرن الذي كتب أن محمد السادس عمل «خلال سبعة وعشرين ( في الجريدة 26 سنة، وهذا سهو سمحنا لأنفسنا بتعديله) عاماً من الحكم، على إصلاح البلاد بشكل منهجي، وفاء لما تعهّد به، رغم الأزمات المتعاقبة والعراقيل التي اعترضت طريقه”
لقد بدا لنا ونحن نتصفح ما تداولته وسائل الإعلام الفرنسية عن الكتاب، أنها لم تتعامل معه باعتباره خبرا ثقافيا عابرا، بل شكل بالنسبة لها مناسبة لتجديد الحديث عن الملكية المغربية وعن الروابط المغربية الفرنسية الممتدة في الزمن، كما اهتمت بإبراز التقييم الإيجابي الذي يقدمه بيرن لحصيلة حكم محمد السادس، غير أنه مع ذلك، ينبغي ألا نخلط بين الاهتمام بصدور الكتاب والمواكبات الإعلامية الأولى وبين التلقي النقدي لمضمون، فقد تكون المواد الأولى انعكاساً لخطة إطلاق الكتاب والترويج له، وقد تتبعها مراجعات مستقلة تناقش منهجه ومصادره واستنتاجاته ، قد نعود إليها في متابعة لاحقة بعد استكمال قراءة الكتاب، وفي حال ما توفرت مادة كافية تستدعي مواكبة جديدة.


