من حفرة كادت تبتلع طفولة، تعود مدينة العرائش لتواجه نفسها امام سؤال قديم متجدد: من يحمي سلامة المواطنين في الفضاء العام، ومن يتحمل مسؤولية هذا التراكم المقلق للاعطاب والمخاطر التي صارت جزءا من المشهد اليومي للمدينة؟ فسقوط طفل داخل حفرة تضم غرفة محول كهربائي تحت ارضي بمنطقة الرحبة د الزرع ليس مجرد حادث عرضي عابر، ولا واقعة معزولة يمكن التعامل معها بمنطق الصدفة وسوء الحظ، بل هو مؤشر واضح على خلل اكبر يمس طريقة تدبير المجال الحضري، ويكشف بوضوح حجم الهشاشة التي باتت تطبع عددا من المرافق والنقط السوداء التي يفترض ان تكون مؤمنة ومحروسة من اي خطر محتمل.
في لحظة لعب بريئة، كان من الممكن ان تتحول الواقعة الى فاجعة حقيقية، لولا لطف الاقدار. وهذه الحقيقة وحدها كافية لكي تدق ناقوس الخطر، ليس فقط بخصوص هذه الحفرة بعينها، ولكن بخصوص واقع مدينة كاملة تبدو اليوم كما لو انها تعيش على وقع ارتجال دائم، حيث تتكرر الاعطاب، وتتعدد الحفر، وتتسع رقعة المخاطر، بينما تظل الاسئلة الجوهرية معلقة دون اجوبة مقنعة. فحين يصبح سقوط طفل في حفرة كهربائية ممكنا داخل حي من احياء المدينة، فذلك يعني ان ثمة اختلالا بنيويا في المراقبة والصيانة والتتبع، وان ما يقع ليس مجرد سهو بسيط، بل نتيجة طبيعية لتدبير يفتقد الى الصرامة المطلوبة في حماية الفضاء العام.
واذا كانت واقعة الرحبة د الزرع قد اعادت هذا النقاش الى الواجهة بحدة، فانها لا تنفصل عن صور اخرى راسخة في ذاكرة الساكنة، وفي مقدمتها ما شهده شارع الجيش الملكي، الذي تحول في نظر كثيرين الى نموذج صارخ وفضيحة عمرانية تستدعي المساءلة وفتح تحقيق جدي في خلفيات ما جرى وكيفية تدبيره. فهذا الشارع، الذي يفترض ان يكون من المحاور الرئيسية داخل المدينة، تحول الى عنوان كبير على الاعطاب وسوء تدبير الاشغال، تماما كما هو الحال في شوارع ونقط اخرى تعج بالحفر والتشققات والاختلالات. ومن هنا فان السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق فقط بوجود حفرة هنا او هناك، بل بمنطق كامل في التدبير، يجعل الاشغال تنطلق دون ان تستكمل كما ينبغي، وتفتح الاوراش دون ان تؤمن كما يجب، وتترك المدينة في وضعية اقرب الى ورش مفتوح بلا معايير واضحة ولا افق زمني مطمئن.
المشكلة اليوم لم تعد في وجود اعطاب تقنية قابلة للاصلاح فقط، بل في الاثر النفسي والمدني الذي تخلفه هذه الصورة لدى الساكنة. فالمواطن الذي يتحرك يوميا وسط الحفر والاشغال المتعثرة والمرافق غير المؤمنة، لا يفقد فقط الشعور بالراحة، بل يفقد شيئا اهم: الثقة في ان من يدبر المدينة يضع سلامته في قلب الاولويات. وهذا هو جوهر الاشكال. فالمجلس الجماعي لا يقاس حضوره فقط بالبلاغات ولا بالشعارات ولا بالوعود، بل يقاس اساسا بقدرته على ضمان الحد الادنى من السلامة والنجاعة في تدبير الشارع والمرفق والحي. وعندما يصبح هذا الحد الادنى نفسه موضع شك، فان الحديث عن التنمية والتاهيل والتثمين يبقى حديثا معلقا فوق واقع لا يسنده.
وفي خضم هذا كله، يبرز تناقض لافت في ترتيب الاولويات. فبينما تنتظر الساكنة اجوبة عملية عن الحفر والمخاطر والاوراش المتعثرة، يطفو في المقابل خطاب احتفائي يركز على جوانب اخرى، من قبيل التدوينات التي تشكر هذا المسؤول او ذاك، كما حدث اخيرا مع رئيس المجلس الجماعي الذي خرج ليشكر وزير الثقافة بعد تاكيد تنظيم مهرجان صيف العرائش للسنة الثالثة. ولا احد يختلف حول اهمية الثقافة ولا حول قيمة الانشطة الفنية في تنشيط المدينة، لكن المفارقة تبقى صارخة حين تصبح المدينة في حاجة اولا الى من يرمم شوارعها ويؤمن مرافقها ويحمي اطفالها، قبل ان يطلب من سكانها التفاعل مع اجواء الاحتفال والتظاهرات. فالمهرجانات لا يمكن ان تكون بديلا عن البنية التحتية، والاشادة لا يمكن ان تحجب واقع الاعطاب، والتنشيط لا يعفي من الواجب الاصلي في صيانة المدينة وحمايتها.
ومن جهة اخرى، فان تدبير الشان المحلي في المدن التي تحترم نفسها لا يقوم فقط على الانجاز، بل يقوم ايضا على الانصات وعلى تقبل الانتقاد وعلى اعتبار الملاحظات القادمة من المجتمع والاعلام والرأي العام جزءا من اليات التصحيح والتقويم. غير ان ما يسجل في العرائش، بحسب كثير من المتابعين، هو ان النقد لا يجد دائما صدرا رحبا، بل يتحول احيانا الى مصدر توتر ومواجهة، وكأن المشكلة في من يتحدث عن الحفر لا في الحفر نفسها، وفي من يفضح الاختلال لا في الاختلال ذاته. والحال ان الجهد الذي يبذل في الرد على المنتقدين او ملاحقتهم، كان سيكون اكثر نفعا لو صرف في تتبع الاوراش، وفي التدخل السريع لمعالجة الاعطاب، وفي اعادة الاعتبار الى مدينة تستحق اكثر من هذا القدر من الانكسار العمراني والتدبيري.
ان حادث الطفل ليس فقط واقعة انسانية مؤلمة، بل هو ايضا لحظة سياسية ومدنية كاشفة. لحظة تجعل من الضروري الانتقال من منطق التبرير الى منطق المراجعة، ومن رد الفعل الى الفعل، ومن الانشغال بالصورة الى الانشغال بالجوهر. فالمدن لا تقاس بما يقال عنها فقط، بل بما توفره فعليا لسكانها من امن حضري وكرامة في العيش وجودة في الخدمات. والعرائش، وهي المدينة ذات التاريخ والرمزية والموقع، لا تستحق ان تظل حبيسة هذا المشهد المرتبك، حيث تتكرر الاخطاء ذاتها، وتتوالى الاعطاب نفسها، بينما يزداد شعور السكان بان المدينة تدار بمنطق لا يبعث على الاطمئنان.
لهذا، فان المطلوب اليوم ليس فقط التفاعل مع حادثة الرحبة د الزرع باعتبارها ملفا ظرفيا، بل التعامل معها باعتبارها اشارة قوية الى ضرورة مراجعة اعمق لاولويات المجلس الجماعي وطريقة اشتغاله ومقاربته لتدبير الفضاء العام. فسلامة المواطنين ليست تفصيلا، وامن الاطفال ليس موضوعا ثانويا، والحفر ليست قدرا طبيعيا في مدينة يفترض انها تسير نحو التاهيل. وبين حفرة كادت تبتلع طفولة، ومدينة تزداد ثقلا باعطابها اليومية، يبقى الامل معلقا على ارادة حقيقية تعيد ترتيب الاولويات، وتجعل من حماية الانسان قبل الاحتفاء بالصورة عنوانا لمرحلة جديدة اكثر جدية ومسؤولية.

