بقلم: رفيق بلقرشي
ثمة أعمال موسيقية تبدأ من نغمة، وأخرى تبدأ من سؤال. و«رحلة الصابرين» للمبدع عبد الحي الحداد تبدو أقرب إلى النوع الثاني: مشروع موسيقي لا يكتفي ببناء مادة لحنية، وإنما يشتغل على إمكانات الموسيقى ذاتها، وعلى قدرتها على إعادة صياغة علاقتها بالزمن والصوت والصمت والحركة.
غير أن الدخول إلى هذا المشروع يظل مرتبطاً، في بدايته، بمصدره الأول: العرائش. فهذه المدينة لا تظهر في «رحلة الصابرين» باعتبارها خلفية جغرافية أو موضوعاً وصفياً، ولا بوصفها مجموعة من الصور التي يراد استعادتها موسيقياً، وإنما باعتبارها أثراً عميقاً استقر في وجدان مؤلفها، ثم أعادت المسافة تشكيله ومنحه كثافة جديدة.
فعبد الحي الحداد، الذي غادر المغرب منذ سنوات طويلة ليستقر في بريطانيا، لم يترك وراءه علاقته الأولى بالأمكنة التي صنعت جزءاً من وجدانه. على العكس، يبدو أن الابتعاد قد جعل هذه العلاقة أكثر تركيباً؛ إذ تتحول التفاصيل التي كانت جزءاً من الحياة اليومية إلى مادة تستعاد من خلال المخيلة، وتتحول التجربة المباشرة إلى إحساس أكثر تجريداً، بحيث لا تعود المدينة مجرد صورة، وإنما تصبح أثراً داخلياً قابلاً لأن يتحول إلى لغة.
ومن هذه الزاوية يمكن استحضار إدوارد سعيد وكتاب «خارج المكان»، لا من باب المطابقة بين تجربتين مختلفتين، وإنما من خلال فكرة الابتعاد الذي يتيح رؤية الأشياء بطريقة أخرى. فالمسافة قد لا تكون دائماً نقيضاً للانتماء؛ أحياناً تكون هي التي تمنح الإنسان القدرة على اكتشاف ما تركه فيه ما ابتعد عنه.
وتكتسب هذه الإحالة بعداً إضافياً حين نستحضر أن سعيد كان موسيقياً وعازف بيانو وناقداً موسيقياً، وأن الموسيقى كانت جزءاً من تكوينه الفكري والجمالي. ومن هنا يصبح انتقال «رحلة الصابرين» من التجربة الشخصية إلى البناء الموسيقي انتقالاً بالغ الدلالة: ما يبدأ في الوجدان لا يبقى حبيس الوجدان، وإنما يبحث عن نظام يستطيع أن يمنحه حياة جديدة.
فالمشروع، في جوهره، لا يقوم على استعادة مكان، وإنما على بناء علاقات بين العناصر. وهذه هي النقطة التي تجعل الكونترابوان زاوية مناسبة لقراءة «رحلة الصابرين».
فالكونترابوان لا يقوم على إلغاء استقلال الأصوات، بل على تنظيم علاقتها داخل نسيج واحد. لكل صوت مساره وحركته ووظيفته، لكن معناه يتولد أيضاً من علاقته بالأصوات الأخرى. ومن هنا تبدو خلية النحل، التي تشكل الهوية البصرية للمشروع، أكثر من علامة جمالية: إنها صورة تختصر منطق العمل نفسه. وحدات متجاورة، لكل منها بنيتها ووظيفتها، لكنها لا تكتسب معناها الكامل إلا داخل النظام الذي يجمعها.
عشر حركات، لكل واحدة عالمها الخاص، لكنها تنتظم في جسد موسيقي واحد. وكما لا تكون الخلية مجرد وحدة معزولة عن بقية البناء، لا تبدو الحركة في «رحلة الصابرين» مجرد قطعة مستقلة، وإنما جزءاً من مسار تتفاعل داخله الأصوات والأفكار والإيقاعات والمساحات.
ومن هنا تكتسب فكرة فريديناند دو سوسير عن قيمة العنصر داخل النظام أهمية خاصة. فالعنصر لا يستمد قيمته من ذاته فقط، وإنما من موقعه ومن علاقاته بما يجاوره. وإذا نقلنا هذه الفكرة من اللغة إلى الموسيقى، فإن النغمة لا تكون هي نفسها تماماً حين تتغير النغمات المحيطة بها، والجملة الموسيقية تتبدل دلالتها حين يتغير ما يسبقها أو يلحق بها، والصوت يأخذ وظيفة مختلفة بحسب موقعه داخل النسيج.
إن السؤال لا يصبح إذن: ماذا يقول هذا الصوت بمفرده؟ بل: ماذا يحدث له حين يوضع إلى جوار صوت آخر؟
وهذا يقود إلى أحد المفاتيح الأساسية في «رحلة الصابرين»: الوظيفة قبل الاستعراض.
فالعمل لا يبدو معنياً بكثافة الحضور الآلي لمجرد الكثافة، وإنما بتوزيع الأدوار داخل النسيج الأوركسترالي، وبالعلاقة بين الخطوط اللحنية، والمساحات الصوتية، والتوازن بين الطبقات، وكيفية انتقال المادة من آلة إلى أخرى، ومن جملة إلى جملة، ومن حالة صوتية إلى أخرى.
وهنا ينبغي التمييز بين مجرد إعادة توزيع مادة لحنية على أوركسترا، وبين إعادة التفكير في المادة الموسيقية منذ لحظة ولادتها: في بنية الجملة، ومسارها اللحني، وإيقاعها الداخلي، وتوزيع الثقل بين الأصوات، وطبيعة الانتقال الهارموني.
فالمسألة ليست في أن تتجاور آلات مختلفة، وإنما في أن تدخل في علاقة تأليفية حقيقية.
ومن هنا تتجمع عناصر تبدو متفرقة في الظاهر، لكنها تنتمي في العمق إلى منطق واحد: الحذف، والاقتصاد، والصمت، والمسافة، وتحديد وظيفة كل صوت داخل الكل.
بعد مراحل من التجريب، يبدو أن اللغة الموسيقية اتجهت نحو التخلص من الزوائد، والحد من النبض المتكرر والزخرفة والاستعراض والطبقات التي قد تمنح العمل امتلاءً سمعياً دون أن تضيف بالضرورة إلى منطقه الداخلي.
وهنا لا يتعلق الأمر بالفقر أو الاختزال، وإنما بـالاقتصاد في الوسائل والتكثيف في الدلالة.
كل صوت يصبح مطالباً بأن يكون له سبب في وجوده.
كل طبقة تؤدي وظيفة.
وكل حذف يصبح اختياراً.
وكل توقف يمكن أن يتحول إلى جزء من البناء.
بل إن غياب الصوت نفسه يترك أثراً في ما نسمعه، ويعيد تشكيل قيمة العناصر التي بقيت حاضرة. فالصمت ليس فراغاً بين جملتين موسيقيتين، وإنما عنصر تأليفي قائم بذاته؛ مساحة تسمح للصوت بأن يظهر، وللجملة بأن تتنفس، وللأثر الصوتي أن يستمر بعد انطفائه.
وكذلك النغمات الممتدة لا تبدو مجرد إطالة زمنية للصوت، وإنما تمنح الأذن فرصة للإقامة داخل النغمة نفسها، والاستماع إلى ما يحدث فيها من توتر واستقرار وتحول.
أما بطء التحول الهارموني، فيمنح الموسيقى زمناً مختلفاً؛ زمناً لا يستعجل الانتقال من حالة إلى أخرى، وإنما يجعل التحول نفسه موضوعاً للتأمل.
وكأن العمل لا يسأل فقط: إلى أين تذهب الموسيقى؟ بل يسأل أيضاً: ماذا يحدث لنا أثناء انتقالها؟
وهذا ينسجم تماماً مع مفهوم الرحلة.
فالرحلة ليست لحظة الوصول، وإنما مجموع التحولات التي تحدث أثناء الطريق.
ومن هنا تكتسب الحركات العشر للعمل دلالتها. فالعناوين: «رأس الرمل»، «طريق الحرير»، «تل الهوى»، «حذو أمل»، «ربوة أماني»، «بوابة أوريان»، «معبر فرح»، «مقام وصل»، «عين شقة»، إلى جانب الحركة العاشرة، لا تبدو مجرد أسماء مستقلة، وإنما تشكل مساراً سردياً وشعورياً متدرجاً.
تبدأ الحركة، ثم تتغير، وتتسع، وتنتقل من حالة إلى أخرى، بحيث تصبح كل حركة جزءاً من جملة أكبر.
واللافت أن العناوين لا تفرض على الموسيقى معنى واحداً بقدر ما تفتح أمامها فضاءات تخييلية. فالعنوان هنا لا يشرح الموسيقى، وإنما يضع أمامها عتبة يدخل منها المستمع إلى عالمها.
وهنا تعود خلية النحل لتكتسب معناها الكامل داخل البناء: عشر وحدات، لكل منها شخصيتها، لكنها جميعاً تنتظم في كيان واحد. الاختلاف لا يفسد الوحدة، بل يصبح شرطاً لها.
وهذا هو جوهر الكونترابوان أيضاً.
فالوحدة الموسيقية لا تعني أن تكون جميع الأصوات متشابهة؛ بل أن تعرف كيف تتجاور، ومتى تتقدم، ومتى تتراجع، ومتى تصمت، وكيف تترك المجال لصوت آخر.
ومن هذه الزاوية، فإن «رحلة الصابرين» لا تبدو مجرد محاولة للمزاوجة بين تقاليد موسيقية مختلفة. فالمشروع لا يضع «الشرقي» في جهة و«الغربي» في جهة أخرى ثم يبحث عن نقطة التقاء بينهما، بل يحاول تجاوز هذا التقابل نفسه.
هناك مقام يتحاور مع هارموني، وإيقاع يتحاور مع زمن حر، ولحن يتقاطع مع خط لحني آخر، وصوت ينسحب لكي يسمح لصوت آخر بالظهور.
هنا تصبح التعددية الصوتية لغة للتجاور، ويصبح الاختلاف مادة للتأليف.
وهذا تحديداً ما يمنح العمل بعده الإنساني الأوسع. فـ«الصابرين» ليسوا جماعة محددة، وإنما صورة إنسانية مفتوحة: المغترب الذي ينتظر، والحالم الذي يواصل الطريق، والعاشق الذي يحمل صورة بعيدة، والإنسان الذي فقد شيئاً لكنه لم يفقد القدرة على الأمل.
ومن هنا يصبح الصبر نفسه فعلاً إبداعياً.
فالصبر ليس سكوناً، وإنما زمن داخلي.
والموسيقى تعرف هذا الزمن جيداً: في النغمة الممتدة، وفي الصمت، وفي الانتقال البطيء، وفي الجملة التي لا تكشف معناها دفعة واحدة.
ربما لهذا السبب تبدو «رحلة الصابرين» رحلة مزدوجة: رحلة الإنسان، ورحلة الموسيقى.
الإنسان يتغير أثناء الطريق، والموسيقى تتغير أثناء بنائها.
وفي الرحلتين يحدث الشيء نفسه: التحول.
فالذي يصل ليس هو نفسه الذي غادر، والموسيقى التي تصل إلى نهايتها ليست هي الموسيقى التي بدأت منها.
لقد مرت عبر الحذف، والصمت، والتحول الهارموني، وتعدد الأصوات، وتبدل الوظائف، وتغير المساحات، حتى أصبحت شيئاً آخر.
ولهذا فإن السؤال الأهم أمام «رحلة الصابرين» ليس: هل نجحت في نقل موسيقى من فضاء إلى فضاء؟
بل: ما الذي يحدث للموسيقى حين تحمل تجربتها معها وهي تعبر إلى العالم؟
وهنا تحديداً يبدو مشروع عبد الحي الحداد أكثر إثارة للاهتمام.
إنه لا يبحث عن موسيقى أخرى، بقدر ما يبحث عن إمكانية أخرى لموسيقانا.
إمكانية تجعل الموروث مادة للمستقبل، وتجعل الاختلاف بين الأصوات مصدراً لبناء جديد، وتجعل الصمت جزءاً من الكلام الموسيقي، وتجعل الرحلة نفسها شكلاً من أشكال التأليف.
فالموسيقى لا تحتاج إلى أن ترفع صوتها دائماً لكي تقول شيئاً. وقد يكون الصوت الأكثر هدوءاً، إذا وضع في المكان المناسب داخل النسيج، أكثر قدرة على تغيير المشهد بأكمله.
وهكذا تصبح «رحلة الصابرين» أكثر من عمل موسيقي؛ إنها بحث في إمكانات التحول نفسها: تحول الصوت إلى نسيج، والاختلاف إلى انسجام، والصمت إلى معنى، والعناصر المتجاورة إلى بنية واحدة.
وفي النهاية، لا يعود السؤال إلى أين ذهبت الموسيقى، وإنما ماذا أصبحت وهي تمضي؟
ربما هنا تكمن قوة المشروع: أنه لا يقدم الرحلة باعتبارها انتقالاً من نقطة إلى أخرى، بل باعتبارها فعلاً يغير المسافر ويغير الطريق معاً.
الموسيقى تبدأ من فكرة، ثم تعيد بناء نفسها عبر أصواتها، وحذفها، وصمتها، وتوتراتها، وتحولاتها، إلى أن تصل إلى صيغة جديدة لا تشبه تماماً نقطة البداية.
وهكذا تصبح «رحلة الصابرين» رحلة الإنسان ورحلة الموسيقى في آن واحد؛ رحلة لا يكون الوصول فيها نهاية، وإنما لحظة جديدة من إمكانات التأليف.
إنها لا تبحث عن موسيقى أخرى، بقدر ما تبحث عن إمكانية أخرى لموسيقانا.
وفي هذه الإمكانية بالذات، تتحول الرحلة من موضوع موسيقي إلى فلسفة في الإبداع: أن تعرف كيف تحتفظ بجوهر التجربة، وفي الوقت نفسه تجرؤ على تغيير شكلها؛ أن تسمح للأصوات المختلفة بأن تتجاور دون أن تفقد خصوصيتها؛ وأن تدرك أن ما يحذف من الموسيقى قد يكون أحياناً بقدر أهمية ما يضاف إليها.
هنا تغادر الموسيقى شكلها الأول، لا لكي تنكره، وإنما لكي تكتشف ما يمكن أن تصبحه.
وتلك، في نهاية المطاف، هي رحلة الصابرين.

