بقلم : نبيل النطاح
شكّلت نسبة المشاركة الهزيلة المسجلة خلال الانتخابات التشريعية بدوائر مدينة العرائش (دائرة لالة منانة، سيدي العربي، المغرب الجديد…)، العنوان الأبرز والأكثر سلبية لهذه الاستحقاقات؛ إذ لم تتعدَّ 22% من أصوات الناخبين المسجلين، دون احتساب نسبة غير المسجلين في اللوائح الانتخابية.
ناهيك عن عدد الأصوات الملغاة التي شكّلت رقمًا ضخمًا ناهز 14,000 صوت، وهو ما يعادل تقريبًا مجموع الأصوات التي حصل عليها الفائز بالمقعد الأول؛ وكأن تلك الأصوات الملغاة كانت تخوض سباقًا تنافسيًا محتدمًا مع المرشحين!
هذه الأرقام الصادمة تستوجب قراءة متأنية وموضوعية للوقوف على الجذور الحقيقية لهذا العزوف الجماهيري الواسع، واستشراف تداعياته المقلقة على المديين القريب والبعيد.
فهي تعكس حالة عميقة من فقدان الثقة في العمل السياسي المحلي، في ظل ما تشهده الأحزاب بالمدينة من ترهل تنظيمي؛ إذ عمد بعض المنتسبين لبعض التنظيمات إلى تحويل المكاتب المحلية إلى ما يشبه «ملكيات خاصة»، مغيبين تمامًا منطق تداول المسؤوليات، ومجهضين جهود استقطاب الطاقات الشبابية والكفاءات الواعدة، لتستمر الوجوه نفسها في التكرار مع كل استحقاق.
وفي السياق ذاته، برزت وجوه سياسية احترفت «الترحال الحزبي» والتنقل من دكان سياسي إلى آخر، دون اكتراث بمصداقية العمل الحزبي أو بقيمه ومبادئه، فضلًا عن ظهور تشكيلات تفتقر إلى هياكل تنظيمية حقيقية، وتكتفي بفتح مقارها بشكل موسمي تزامنًا مع الحملات الانتخابية.
ويُضاف إلى ذلك تداعيات نظام القاسم الانتخابي الذي أسهم في بلقنة المشهد وتشتيت الخريطة الحزبية، عبر تفريخ تنظيمات صغيرة تفتقر إلى أي تصور أو رؤية، ويقتصر دورها على تأثيث المشهد أو إكمال النصاب القانوني كلما تطلب الأمر التصويت.
صحيحٌ أن الانتخابات التشريعية تختلف عن الانتخابات الجماعية من حيث الدور والوظيفة، غير أن الارتباط بينهما وثيق وتأثرهما ببعضهما لا يمكن تجاوزه. وفي هذا الصدد، يرى مراقبون أن السبب الجوهري وراء هذا العزوف يتمثل في غياب أي نتائج ملموسة للتدبير الجماعي الحالي على أرض الواقع، وعجزه التام عن تقديم قيمة مضافة تنعكس على تنمية المدينة وخدمة ساكنتها، إلى درجة وصفه من قِبل أحد أعضاء المكتب المسير نفسه، خلال إحدى الدورات، بأنه «أفشل مجلس جماعي مرّ على تاريخ المدينة».
واللافت للانتباه هو استمرار الوجوه السياسية نفسها —سواء في الأغلبية بمختلف مكوناتها أو في المعارضة «الصامتة»— في تصدّر المشهد؛ حيث تولّى أغلب المنتخبين الجماعيين قيادة حملات الترويج للمرشحين البرلمانيين، في مشهد يعيد تدوير وجوه استنفدت رصيدها السياسي وفقدت ما تبقى من مصداقيتها أمام المواطنين.
ويمكن القول إنَّ عملية المقاطعة هذه المرة تمت بشكل «واعٍ»، كرد فعل طبيعي على غياب الأمل في التغيير، وضعف التواصل، وانعدام الديمقراطية الداخلية، إضافة إلى هيمنة أصحاب المال والجاه على المشهد السياسي المحلي.
وَاهِمٌ من يظن أن تأثير هذا العزوف يقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل رافقته ظواهر اجتماعية سلبية تستدعي دق ناقوس الخطر والتعامل معها بجدية ومسؤولية؛ ففي غياب التأطير والمرافق العمومية، تنامت معدلات الإدمان والجريمة، إلى جانب الارتفاع الملحوظ في نسب الهجرة غير النظامية في صفوف الشباب (السباحة نحو سبتة نموذجًا)، وبروز نوع جديد من الاحتجاج الرقمي غير المؤطّر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
إن الواقع الحالي بمدينة العرائش يفرض وقفة تأمل مسؤولة من مختلف الفاعلين لتدارك الاختلالات البنيوية، وتخفيف حالة السخط والاحتقان المجتمعي وما لها من عواقب وخيمة. لقد أرسلت الساكنة رسالة صريحة لا تحتمل التأويل، مفادها أن «الثقة الشعبية ليست صكًّا أبديًا»، وأن استعادتها مرتبطة حصرًا بتجديد النخب، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقديم حصيلة تنموية ملموسة تلبي تطلعات المواطنين وانتظاراتهم المشروعة.
فهل تستوعب الأطراف المعنية هذه الإشارة قبل فوات الأوان؟
العزوف الانتخابي بالعرائش: جرس إنذار يكشف أزمة الثقة في المشهد المحلي

عادي
